أبي منصور الماتريدي

188

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 109 إلى 111 ] فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ( 109 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 110 ) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 111 ) وقوله - عزّ وجل - : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ تأويله - والله أعلم - : لا تكن يا محمد في شك بأن هؤلاء قد بلغوا في عبادتهم الأصنام والأوثان الحد الذي بلغ آباؤهم في عبادتهم الأصنام والأوثان فأهلكوا إذا بلغوا ذلك الحد ، فهؤلاء - أيضا - قد بلغوا ذلك المبلغ ؛ أي : مبلغ الهلاك ، لكن الله برحمته وفضله أخره عنهم إلى وقت . أو يقال : إن هؤلاء قد بلغوا في العبادة لغير الله بعد نزول القرآن والحجة المبلغ الذي كان بلغ آباؤهم قبل نزول الحجة والبرهان في عبادتهم غير الله . أو كان في قوم قد أظهروا الموافقة لهم ، وكانوا يعبدون الأصنام في السر على ما كان يعبد آباؤهم ، فقال : هؤلاء وإن أظهروا الموافقة لك فقد بلغوا بصنيعهم في السر مبلغ آبائهم ، والله أعلم هذا يحتمل وجهين : أحدهما : إخبار عن قوم خاص أنه لا يؤمن أحد منهم ؛ ليجعل شغله « 1 » بغيرهم . والثاني : إخبار ألا يؤمن جميع قومك كما لم يؤمن قوم موسى بأجمعهم ؛ بل قد آمن منهم فريق ، ولم يؤمن فريق ، فعلى ذلك يكون قومك . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ قال بعضهم : قوله : وإنا لموفوهم نصيبهم في الدنيا من الأرزاق « 2 » ، وما قدر لهم من النعم غَيْرَ مَنْقُوصٍ ، لا ينقص ما قدر لهم ؛ أي : لا يهلكون حتى يوفى لهم الرزق . وقال قائلون : وإنا لموفوهم بأعمالهم غير منقوص أي : لا ينقصون من أعمالهم شيئا ، ولا يزادون عليها « 3 » ، إن كان حسنا فحسن ، وإن كان شرّا فشر ؛ فهو على الجزاء . وقال بعضهم : [ قوله ] « 4 » : وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ يقول : إنا نوفر لهم حظهم من

--> ( 1 ) في أ : شغلهم . ( 2 ) ذكره السيوطي في الدر ( 3 / 636 ) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن أبي العالية ، والرازي في تفسيره ( 18 / 55 ) . ( 3 ) في أ : عليهم . ( 4 ) سقط في ب .